Launchorasince 2014
← Stories

أستاذ خالد


- مقدمة ..

- عندما سُئِلَ الدكتور مصطفى محمود عن سر مهنة الطب التى أخرجت شاعراً عظيماً مثل إبراهيم ناجى .. وأديباً قدير مثل يوسف إدريس .. ورجل إقتصاد عبقرى مثل حافظ عفيفى .. وممثلاً مبدع مثل يحيى الفخرانى .. كان جوابه غريباً بعض الشئ .. قال إن السبب فى هذا كله يرجع إلى الوقفة أمام الموت .. فأقرب إنسان إلى الميت هو الدكتور .. كلهم يفرون من الموت حتى الأقارب و أقرب المقربين .. و الطبيب هو الوحيد الذي يحضر هذه اللحظات .. إنها لحظات رهيبة .. يخرج منها الموسيقار والشاعر والأديب والعالم والفنان ..

- نعم .. إنه الموت .. الموت الذى قد يغير من نظرتنا لكل شئ .. الموت الذى قد يعيد بعثنا من جديد إذا ما واجهناه بصبر وإيمان وثقة .. وإنتصرنا عليه ..

- نعم إنه الموت ..

- محمد أشرف ...

- اليوم الأول ..

- كان صباحاً هادئاً .. عادياً .. روتينياً .. لا يختلف عن أى صباح قد مضى فى الأشهر الستة الأخيرة .. نفس المشهد يتكرر أمامى يومياً .. حيث أفتح عينى لأجد نافذة مطلة على حديقة المستشفى التى أقيم بها وقد أسدلت عليه ستائر بيضاء .. قائم المحلول إلى جانبى .. تتدلى منه بعض الخراطيم المتصلة بجسدى .. ولا أعلم هل هذا القائم موجود لأنى لا زال على قيد الحياة .. أم أنى لا زلت على قيد الحياة لأن هذا القائم موجود إلى جوارى .. من السبب فى وجود الآخر ؟؟؟

- سريرى الحديدى المفروش بملائة بيضاء .. ساعة الحائط التى تشير إلى الثامنة صباحاً .. حيث تدخل الممرضة بزيها الأبيض لتسألنى نفس السؤال الذى تسأله كل يوم بعد صباح الخير .. عامل إيه إنهاردة ؟؟؟

- وهنا .. توقفت قليلاً لأسأل نفسى .. ماذا إذا غيرت إجابتى المعتادة ؟؟ ماذا لو لم أقول لها ( الحمد لله ) ؟؟؟ ماذا لو أخبرتها بأنى لا أشعر بالوجع وأنى قد شفيت تماماً ؟؟ هل ستفرح من أجلى ؟؟ هل ستوصى بخروجى من هنا لدى الدكتور ؟؟ وماذا لو لم أرد عليها أصلاً ؟؟ هل ستلاحظ ذلك ؟؟ أم أنها أصبحت جزئاً من الروتين ؟؟ آلة من آلات المستشفى برغم أنها تشبه البشر إلى حد كبير ؟؟؟

- كل هذه الأسئلة كانت تدور فى رأسى بينما كانت الممرضة تعيد تركيب المحاليل وتقيس ضغط الدم وتدون ملاحظاتها فى شيت المتابعة .. ولم تتنتبه إلى صمتى حتى دخل الدكتور وهو يرتدى بالطو أبيض أيضاً .. ليسألنى نفس السؤال ولكن بصيغة أخرى .. وبعد صباح الخير أيضاً .. يا ترى أخبارك إيه إنهاردة ؟؟

- لم أهتم بسؤال الدكتور أيضاً .. وكل ما كان يشغل بالى فى تلك اللحظة هو سر اللون الأبيض ومدى علاقته بالمستشفيات وبالأطباء والممرضات ؟؟ لماذا لم يختارو لوناً آخر ؟؟ لماذا الأبيض بالتحديد ؟؟ هل هى عملية نفسية حيث أنه لونٌ يسر الناظرين ويريح العين .. ويوحى بالطمأنينة ويبعث الأمل فى نفوس المرضى ؟؟؟ أما أنها عملية تجارية لأن الأبيض يتسخ بسرعة أكبر من أى لون آخر وكلما أرادت المستشفى أن تظهر مدى نظافتها وتعقيمها كلما زادت من اللون الأبيض فى كل التفاصيل حتى يرتاح المريض أو من يعوله .. ويدفعون للمستشفى بنفس راضية ؟؟؟ من الوارد أنها بدأت كعملية نفسية .. ثم تحولت بعد ذلك إلى عملية تجارية بحتة .. فهذا هو الواقع لكل شئ حولنا فى هذه الأيام ..

- كل هذه التساؤلات والشطحات الفكرية كانت تعبث فى أرجاء ذهنى الواهي .. حتى مر النهار سريعاً .. وحان موعد نومى .. وإن صح القول فإنه حان موعد نومهم .. أما أنا فلا فرق عندى بين نوم و إفاقة ..

اليوم الثانى ..

- فى صباح اليوم الثانى .. إستيقظت على صوت كحة تشبه كحتى فنظرت إلى الساعة فوجدتها تشير إلى تمام السابعة .. ثم إلتفت إلى مصدر الصوت .. فوقعت عينى على مشهد جديد .. سرير جديد بملائة بيضاء أيضاً وبجانبه قائم للمحاليل تتدلى منه خراطيم لتتصل بجسد مريض آخر يرقد معى فى نفس الغرفة .. من الذى آتى به إلى هنا ؟؟ هل هو نفس المرض ؟؟ أم أنه مجرد مريض لم يجدوا له مكان فى المستشفى سوى حجرتى الفسيحة التى أدفع فى مقابلها الكثير من النقود ؟؟ كنت أنوى أن أصرخ مناديا مسئولين المستشفى كى أرفض هذا الوضع ؟؟ فأنا أدفع كى أكون وحدى فى غرفة فسيحة .. لا لأن أشارك أحدهم الغرفة والآلام .. ولكنى سرعان ما غيرت رأيى .. فأنا أشعر بوحدة شديدة .. وأحتاج إلى شخص أشاركه أفكارى وذكرياتى وآلامى أيضاً فى أيام تبدو لى انها الأخيرة .. تبسمت قليلاً لأحاول أن أخفف عنه .. وقلت له ( ألف سلامة عليك ) .. ولكنه لم يرد .. ثم نظر إلى السقف قليلاً وقال لى دون أن ينظر إلي ..

- إنتا إسمك إيه ؟؟

- أنا إسمى خالد ..

- هههههههههههههههههههه ..

- بتضحك ليه ..

- أصل انا كمان إسمى خالد ..

- وحضرتك شغال إيه يا أستاذ خالد ؟؟؟

- أنا صاحب دار نشر .. وإنتا ؟؟

- هههههههههههههههههههه ..

- بتضحك ليه إنتا كمان ؟؟

- أصل أنا كاتب ..

- ياااااااااااه .. شفت الدنيا صغيرة إزاى ؟؟ أنا وإنتا راقدين فى مستشفى واحدة وأعمالنا بره الناس بتقراها وتتعلم منها .. لكن مش حاسين باللى إحنا فيه ..

- عندك حق .. بس أنا للأسف منشرتش أى حاجة من أعمالى لسه ..

- نعم !!! طب بتقول على نفسك كاتب إزاى بقى ؟؟ هو فيه كاتب من غير أعمال ؟؟

- لأ حضرتك مش واخد بالك .. أنا كتبت كذا حاجة .. بس منشرتش حاجة ..

- لأ أنا واخد بالى كويس .. معنى إنك منشرتش يبقى كأنك مكتبتش أصلاً .. إلا لو إنتا مكتفى برأيك فى نفسك وشايف نفسك كاتب ..

- والله حضرتك عندك حق .. بس أنا حاولت كتير إنى أنشر رواية واحدة حتى .. لدرجة إنى لفيت على كل دار نشر فى مصر وعرضت عليهم إنهم ينشروها بدون عربون .. وهستنى جزء من الأرباح فى الآخر .. بس برضه مفيش فايدة .. تعبت والله يا أستاذ خالد ..

- لأ ..

- هو إيه اللى لأ بالظبط ..

- لأ إنتا ولا حاولت كتير ولا تعبت حتى ..

- وإنتا عرفت منين ؟؟

- مش إنتا بتقول إنك لفيت على كل دار نشر فى البلد .. وأنا صاحب دار نشر وبقابل أى كاتب بنفسى .. ورغم كده عمرى ما شفتك قبل كده ..

- أنا قصدى معظم دور النشر يعنى ..

- شفت بقا إنك متعبتش نفسك ولفيت على كل دور النشر اللى فى البلد ؟؟؟

- فى هذه اللحظة أحسست بأن فى صحبتى رجل سخيف .. محطم ويريد تحطيم كل من حوله .. وقبل أن أرد عليه دخلت الممرضة فى معادها اليومى لتقوم بما تقوم به .. وسألتنى ( عامل إيه إنهاردة ) ولكنى فوجئت بالأستاذ خالد هو الذى ير عليها قائلاً ( الله أعلم ) .. ثم جاء الدكتور من بعدها ومعه ممرض آخر وقاموا بسحب عينات من دمى لإكمال بعض الفحوصات .. ثم خرجوا جميعهم بعد إحضار وجبة الإفطار .. ولكن هناك شئ ما شد إنتباهى .. فالممرضة لم تقوم بتغيير محاليل الأستاذ خالد .. ولا حتى قياس ضغط الدم .. والدكتور كذلك أيضاً .. لم يفعل سوى نظرة عابرة عليه .. حتى أنه لم يسأله عن شئ .. وأثناء تناولى وجبة الإفطار نظرت إليه فوجدته ينظر إلى سقف الغرفة أيضاً ولا يتناول إفطاره .. فسألته ..

- إنتا مبتاكلش ليه ؟؟

- أصل أكل العيانين ده مش حلو .. تحسه كئيب كده ومفيهوش روح ..

- أيوة بس ده الأكل الصحى عموماً .. كل حاجة فيه متوازنة ومظبوطة علشان متتعبش أجهزة الجسم ..

- هو إنتا كنت بتاكل الأكل ده قبل ما تيجى هنا ؟؟

- لأ ..

- ولما هو صحى ومبيتعبش الجسم .. مكنتش بتاكله ليه قبل ما تيجى هنا ..

- علشان كنت لسه بصحتى .. وجسمى يقدر يحرق الدهون ويستحمل الأملاح والحجات دى ..

- يعنى إنتا دلوقتى بتاكل الأكل ده علشان إنتا عيان ؟؟

- أيوة ..

- سبحان الله ..

- مالك مستغرب كده ليه ؟؟

- الإنسان ده غريب أوى والله .. لما ربنا ينعم عليه بالصحة يفترى .. ولما يتعب يتعظ ..

- ما هو ده حال الدنيا يا أستاذ خالد ..

- لأ .. ده حالنا إحنا ..

- يعنى إنتا مش هتاكل خالص طول ما إنتا هنا ؟؟

- لأ .. وبعدين أنا مش هطول هنا أصلاً ..

- يسمع منك ربنا .. صحيح .. هو إنتا عندك إيه أصلاً ؟؟

- يعنى هيكون إيه اللى جايبنى هنا ومقعدنى معاك فى نفس الأوضة ؟؟

- المرض الوحش ؟؟

- وهو فيه مرض حلو برضه ؟؟ أهو كلها أمراض وخلاص .. بس أوحشها مرض الروح ..

- ربنا يشفيك ..

- لم أستطع أن أناقشه فى هذا اليوم أكثر من ذلك .. أحسست بأنه شخص فريد .. ليس بإمكانك أن تقابل مثله فى هذه الأيام إلا قليلاً جداً إن لم يكن نادراً .. ولكنى تجنبت النقاش معه لأنه دائماً ما كان ينهى النقاش لصالحه .. ومر اليوم سريعاً كسائر أيام المستشفى .. حتى جاء موعد النوم .. فإذا به يسألنى ويقول ..

- إنتا صاحى ولا نايم ؟؟

- أنا كنت هنام .. بس لو عايز نتكلم شوية ممكن نتكلم عادى ..

- يا ريت بعد إذنك .. أصل أنا مش جايلى نوم خالص ..

- معلش .. ده بس علشان أول يوم .. بس بكره هتتعود متخافش ..

( فى حدة ) - ما أنا قلتلك مش هطول هنا ..

- طيب خلاص متزعلش .. إن شاء الله متطولش هنا ..

- إنتا متجوز ؟؟

- لأ ..

- ليه كده .. ملقتش بنت الحلال ولا إيه ؟؟

- تقدر تقول لقيتها بس مطلعتش على مقاسها ..

- ده اللى هو إزاى يعنى ؟؟

- ههههه .. فاضى تسمع ؟؟

- أنا أصلاً جاى علشان أسمع ..

- شوف يا سيدى .. دى بنت أنا كنت بحبها من أيام الجامعة .. وعرضت عليها إنى أخطبها .. بس هيا رفضت.. فى الأول قلت يمكن دى مجرد نزوة أو رغبة من بتوع المراهقة .. وحاولت انساها أكتر من مرة .. وحاولت كمان إنى أدخل فى أى علاقة تانية وأعرف ناس جديدة علشان حد تانى يدخل حياتى أو أتشد لأى واحدة تانية .. لدرجة إنى مشيت فى قصة خطوبة تقليدية والكلام ده .. بس بصراحة مقدرتش .. إكتشفت إنى فعلاً بحبها ومش هقدر أعيش مع حد غيرها ..

- وبعدين ؟؟

- أبداً عملت كل حاجة ممكن تتخيلها .. كلمتها .. رخمت عليها .. جبتيلها ورد .. وقفتلها تحت بيتها .. كل حاجة تخطر فى بالك أنا عملتها .. بس للأسف ـــــــــ

( مقاطعاً ) - بس بس .. يعنى الإنسانة اللى إنتا بتحبها مقدرتش تخليها تحبك ؟؟

- أيوة ..

- وطبعاً دلوقتى هتقولى إنها مع إنسان كويس وأحسن منك مليون مرة وإنك بتتمنالها السعادة ومبسوط علشانها ؟؟ مش كده ؟؟

- هههههه .. ده فعلاً اللى حصل ..

- طيب تفتكر هيا مبسوطة ؟؟

- متهيئلى أيوة ..

- يعنى إيه متهيئلك ؟؟ مبسوطة ولا مش مبسوطة ؟؟

- أكيد مبسوطة .. يعنى هيا دلوقتى متجوزة مهندس ومهندس ناجح كمان .. إبن ناس ومحترم .. أصل أنا اعرفه بس من بعيد لبعيد كده ..

- قصدك تقول إنها إختارت صح ؟؟

- حاجة زى كده ..

- أيوة بس مش معنى إنها إختارت صح .. يبقى إختارت الإنسان الصح ..

- قصدك إيه ؟؟

- مقصدش حاجة .. تصبح على خير ...

- اليوم الثالث ..

- لم أستطع النوم فى تلك الليلة .. كل ما سمعته من الأستاذ خالد ظل يرج أركان رأسى حتى الصباح .. هل يعقل أن أنتقى شخصاً ما على أسس صحيحة ولا يكون هذا هو الشخص الصحيح المناسب ؟؟ هل يقصد أنى إنسان فاشل ؟؟ هل أنا حقاً إنسان فاشل ؟؟ لماذا لم أنشر كتاب واحد حتى الآن ؟؟ لماذا حبيبتى مع رجلٍ غيرى ؟؟ لماذا أنا هنا الآن ؟؟ كل هذه التساؤلات التى لم أجد لها إجابة كانت تلتف حول عنقى وتحاول قتلى .. لذا لم أستطع أن أنام فى تلك الليلة .. كنت أنتظره حتى يقوم من نومه لكى أكمل معه نقاشى .. حتى جائت الساعة الثامنة .. ودخلت الممرضة مثل كل صباح .. ثم من بعدها الدكتور .. ثم وجبة الإفطار .. ولكنه لم يقوم من نومه بعد .. حتى مللت الإنتظار فناديت عليه حتى يقوم وأكمل حديثى معه ..

- أستاذ خالد .. يا أستاذ خالد .. إيه النوم ده كله ..

- ومين قالك إنى نايم أصلاً ؟؟

- إنتا صحيت إمتى ؟؟

- أنا منمتش من إمبارح ..

- وده من إيه ؟؟

- بصراحة ؟؟

- يا ريت ..

- نفس السبب اللى خلاك متعرفش تنام طول الليل إنتا كمان ..

- مش فاهم !!

- يعنى مستغرب على حالك .. بجد إزاى فيه حد عايش زيك كده ؟؟

- إنتا عارف ؟؟ أنا كنت هتكلم معاك فى نفس الموضوع .. أستاذ خالد .. ممكن تقولى رأيك فيا وبمنتهى الصراحة ؟؟

- هى دى المشكلة ..

- مشكلة إيه ؟؟

- إنك بتسألنى عن رأيى أنا .. لكن المهم رأيك إنتا فى نفسك .. مش رأيى أنا ؟؟

- ممكن توضح أكتر ..

- شوف .. خلينا نفترض إنى قلتلك إنك إنسان ناجح .. وإنتا شايف نفسك إنسان فاشل .. ساعتها بقى رأيى هيفرق معاك فى إيه ؟؟ والعكس برضه .. لو إنتا شايف نفسك إنسان فاشل وأنا قلتلك لأ إنتا إنسان ناجح .. برضه رأيى هيفرق معاك فى إيه ؟؟؟ كل واحد فينا عارف نفسه أكتر من أى حد تانى فى الدنيا .. عارف مميزاته كويس .. وعارف عيوبه كويس برضو .. إحنا بس بنحتاج رأيى الناس علشان نأكد رأينا فى نفسنا .. ولو كلامهم معجبناش ساعتها بنقول دول غيرانين مننا وبيحقدو علينا .. فهمت ؟؟؟

- فهمت بس أنا برضه عايز أعرف رأيك فيا ..

- طيب ممكن أسألك سؤال ..

- أكيد طبعاً ..

- رأيك إيه فى إنسان ضيع عمره فى رسم لوحة جميلة جداً .. ومحاولش إنه يفرجها للناس ؟؟ ورأيك إيه فى إنسان شايف شئ من أملاكه وهو بيتسرق .. وفضل يدعى للى سرقه ويقوله ربنا يباركلك فيه ؟؟

- فهمت قصدك إيه ..

- أيوة يعنى رأيك إيه ؟؟

- إنسان فاشل وجبان ..

- طيب قولى بقا .. رأيك إيه فى إنسان إستسلم من قبل الحرب ما تبدأ حتى ؟؟ إنتا فاكر إن اللى إنتا فيه ده أزمة ومشكلة ؟؟ عارف فيه كام كاتب فى مصر بس بيقدمو كل يوم قصصهم ورواياتهم لدور النشر والمكتبات وكمان لشركات إنتاج الأفلام ؟؟ طيب عارف فيه كام واحد فى الدنيا دى قبلك وكام واحد بعدك هيحكى نفس قصة الحب الفاشلة بتاعتك دى وفى الآخر يقول ربنا يسعدها ؟؟ طيب عارف فيه كام واحد فى العالم عنده نفس المرض اللى عندك ده أصلاً ؟؟ 300 مليون .. عارف يعنى إيه 300 مليون ؟؟ يعنى حتى فى مرضك فيه زيك 300 مليون واحد .. إنتا مش مميز عن أى حد بأى حاجة علشان تعيش فى الوهم اللى إنتا فيه ده وإنتا مستمتع بمأساتك وكأن محدش غيرك قبل كده حصله اللى حصلك ده .. ولا حد أحسن منك فى أى حاجة علشان تقول دى أرزاق وبيوزعها ربنا .. هو إنتا أصلاً تعرف رزقك إيه ؟؟

- يعنى إنتا عايزنى أحارب علشان رزقى ؟؟

- دى مش محتاجة سؤال .. ولعلمك علشان تبقى إنسان ناجح فى حياتك لازم تكون ذكى .. وسيم .. غنى .. موهوب .. أى حاجة من الحجات دى .. لكن علشان تكون حد عظيم لازم تكون مقاتل ..

- هههههه .. مقاتل !!! فيه واحد فى مرة قال ( النصر القائم على العنف مساوى للهزيمة ) ..

- أيوة ده غاندى اللى قال كده ..

- الله ينور عليك ..

- وفيه واحد فى مرة قال ( من الأولى أن تكون عنيفاً إذا ساد العنف القلوب .. على أن ترتدى عبائة المسالم لتخفى عجزك ) ..

- ده مين اللى قال كده ؟؟

- غاندى برضو ..

- إيه اللغبطة دى بقا ؟؟

- مالك بس ؟؟

- أنا مش فاهم أى حاجة دلوقتى .. يعنى مثلاً أنا لو مكتوبلى إنى أكون كاتب مشهور كنت هبقى كاتب مشهور .. ولو مكتوبلى إنى أتجوزها كنت إتجوزتها .. ولو مكتوبلى إنى أعيش .. يبقى هعيش .. صح ولا أنا فاهم غلط ؟؟

- إنتا صح طبعاً ده قدر قبل أى حاجة بس المشكلة إنك فاهم القدر غلط ..

- إزاى ؟؟؟

- تخيل كده إنك ماشى فى شارع وفجأة لقيت طريقين للمكان اللى إنتا عاوز تروحه .. ومشيت فى الطريق الأول وبعدين قلت لأ أنا هغير قدر وهمشى من الطريق التانى .. ولما مشيت فى الطريق التانى قلت لأ أنا هغير قدرى كمان مرة وهرجع أمشى فى الطريق الأول .. وفضلت تكرر المسألة دى أكتر من مرة لحد ما تعبت ومشيت فى الآخر وخلاص .. عارف إنتا كان قدرك اللى مكتوب كان إيه أصلاً ؟؟

- إيه ؟؟

- قدرك إنك تقف ما بين الطريقين وتفضل تعند مع نفسك وإنتا فاكر إنك بتعند مع القدر وبتغيره .. لكن فى الآخر اللى إنتا عملته ده كله ربنا كان عارف إنك هتعمله أصلاً علشان هو إسمه ( عالم الغيب ) مش جابر الناس على اللى هو كاتبه ..

- أنا متهيئلى إنى فهمتك .. إنتا قصدك إنى أسعى أكتر علشان أنشر أعمالى .. ومستسلمش بعد كده لضغوط الحياة .. كل ده تمام .. بس قصة العمر دى بقا ؟؟؟

- هو إنتا تعرف هتموت إمتى ؟؟

- لأ ..

- طيب ليه بتيأس من دلوقتى ؟؟

- أصل موضوع المرض ده مش بإيديا .. ومتهيئلى كده إنه مفيهوش سعى حتى ..

- حماااار ..

- ليه بس كده ..

- ثقتك فى ربنا وإيمانك برحمته هو أكبر سعى فى الدنيا .. التوكل على الله مطلق ومالوش حدود .. بس إنتا إعمل اللى عليك ..

- ثم قاطعتنا الممرضة وهى تتحدث إلي قائلة ..

- أستاذ خالد .. الدكتور عنده أخبار حلوة علشانك ..

- ربنا يطمنك ..

- ثم إلتفت إليه لأكمل معه حديثى ..

- تنصحنى بإيه يا أستاذ خالد ؟؟

- أنصحك تحاول تخرج من هنا بأسرع وقت .. اخرج للدنيا .. إهجم عليها زى الأسد .. متخافش من حد غير ربنا .. ولا تخاف من حاجة أبداً غير الحجات اللى تزعل ربنا .. عيش الحياة زى ما إنتا عايز .. مش زى ما الظروف ممشياك .. إسأل نفسك كل يوم أول ما تصحى .. ربنا مد فى عمرك ليه إنهاردة وعلشان تعمل إيه ؟؟ وإسأل نفسك كل يوم قبل ما تنام .. عملت إيه إنهاردة تستحق عليه إنك تعيش كمان يوم .. إتعامل مع كل يوم على إنه عمر بحاله لو ضاع منك مش هيرجع تانى .. حاول متبقاش زى ملايين قبلك وملايين بعدك عاشو وماتو ومحدش يعرف عنهم حاجة .. سيب بصمتك فى الدنيا بحالها .. علم على الدنيا .. قبل ما تعلم هيا عليك ..

- ثم قاطعنا الدكتور فى هذه المرة متحدثا معى وقال ..

- ألف ألف ألف مبروك يا أستاذ خالد .. التحاليل المرة بتقول إنك خلاص كلها كام يوم وتقدر تخرج تانى للدنيا وللناس .. هتوحشنا والله ..

- إنتا بتتكلم بجد يا دكتور ؟؟ ألف حمد وشكر ليك يا رب .. سامع يا أستاذ خالد ؟؟

- الدكتور: أستاذ خالد مين ؟؟ أنا الدكتور أحمد .. إنتا نسيتنى ولا إيه ؟؟

- أنا مش بكلمك إنتا .. هو فين الأستاذ اللى كان فى السرير اللى جنبى هنا ؟؟

- الدكتور: السرير ده فاضى من يوم ما جيت ودى كانت رغبتك الشخصية .. أوضة لوحدك ..

- ماذا يقول الدكتور ؟؟ أين الأستاذ خالد ؟؟ هل كان موجوداً ولم يلاحظه أحد ؟؟ أم أنه شبح كان يرافقنى ؟؟ أم أنه مجرد وهم من نسيج خيالى ؟؟ ولماذا كان يساعدنى ؟؟ لماذا كان ينتقدنى بهذه الشدة ويدفعنى نحو مخاوفى كى أواجها ؟؟ هل هذا أنا ؟؟ ولكن أنا الحقيقى .. قبل أن تلوثه الدنيا بهمومها ومتاعبها ؟؟

- من هذا ؟؟؟